الشيخ محمد النهاوندي

416

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

جارية حديثة السنّ ما أقرأ من القرآن كثيرا : إنّي واللّه لقد عرفت أنّكم قد سمعتم بهذا حتى استقرّ في نفوسكم وصدّقتم به ، فان قلت لكم إنّي بريئة لا تصدّقوني ، وإن اعترفت لكم بأمر واللّه يعلم أني بريئة تصدّقوني ، واللّه لا أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال العبد الصالح أبو يوسف ولم أذكر أسمه : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ « 1 » . ثمّ تحولت واضطجعت على فراشي وأنا واللّه أعلم أنّ اللّه تعالى يبرّئني ، ولكن واللّه ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ، فشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم اللّه فيّ بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى الرسول في النوم رؤيا يبرّئني اللّه بها . فو اللّه ما قام رسول اللّه من مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللّه الوحي على نبيّه ، فأخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحي حتى إنّه لينحدر عنه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي ، فسجّي بثوب ووضعت وسادة تحت رأسه ، فو اللّه ما فرغت وما باليت لعلمي ببراءتي ، وأما أبواي فو اللّه ما سرّي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حتى ظننت أنّ نفسي أبوي ستخرجان فرقا من أن يأتي اللّه بتحقيق ما قال الناس ، فسرّي عنه وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلّم بها أن قال : « أبشري يا عائشة ، أما واللّه لقد برّأك اللّه » . فقلت : بحمد اللّه لا بحمدك ولا بحمد أصحابك . فقالت امّي : قومي إليه . فقلت : واللّه لا أقوم إليه ، ولا أحمد أحدا إلّا اللّه الذي أنزل براءتي ، فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ العشر آيات . فقال أبو بكر : واللّه لا انفق على مسطح بعد هذا ، وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره ، إلى أن قالت : فلمّا نزل عذري قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على المنبر ، فذكر ذلك ، وتلا القرآن ، فلمّا نزل ضرب عبد اللّه بن أبي ومسطحا وحمنة وحسان الحدّ « 2 » . أقول : في هذه الرواية التي وضعتها لاثبات شرفها بأن أوحى اللّه في شأنها آيات تتلى إلى يوم القيامة ، دلالة على كونها سببا لايذاء النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وجسارتها عليه ، وإثارة الفتنة ، وعلى عدم اطمئنان أبويها بعفّتها ، وعدم تعقّلها وتعقّل أبويها وجوب عصمة زوجات النبي صلّى اللّه عليه وآله من الفحش ، لكونه من أعظم الشّين عليه ، وعلى كون صلحاء أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله الذين أهل العصبية والحمية الجاهلية ، وعلى كون بعض البدريين من أفسق الفسّاق ، إلى غير ذلك ممّا فيه دلالة على فساد اعتقاد العامة في حقّها وحقّ أصحاب النبي رووا في شأنهم أنّهم كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم . وقال القمي رحمه اللّه : روت العامة أنّها نزلت في عائشة وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة ،

--> ( 1 ) . يوسف : 12 / 18 . ( 2 ) . تفسير الرازي 23 : 174 .